الحكم على أيمن نور وطبائع الاستب&#1583

Publié le par kurt cobain

الحكم على أيمن نور وطبائع الاستبداد
  د. منصف المرزوقي

 

في عصر الكواكبي   وطيلة العصور التي سبقته  كان بوسع المستبدّ أن يتصرف في شعبه كالراعي في رعيته أي بمطلق الحرية وبكامل اللامسؤولية  لا تشغل باله لحظة  التكلفة الباهظة لسلطانه   من الدم والدموع . ثم  ازدادت صعوبة التسلّط  لتصل ذروتها في عصرنا هذا . ففي الإطار العقائدي  الجديد نفقت  قصة المنقذ وحزبه العتيد ومشروع خلاصه الذي بدونه لن تشرق الشمس، خاصة بعد أن  عرّى التاريخ ما في النظام الاستبدادي دوما من إجرام فظيع ولافعالية أفظع في قيادة الشعوب . كما إن إنهاء التكنولوجيا العصرية للمونوبول الايدولوجي ، الذي كان يسمح بالسيطرة على العقول والقلوب، قلّص من قدرات الطاغية على التحكم في الأحداث. أضف إلى هذا ظهور هذا البعابع المخيفة المسماة الرأي العام المحلي والدولي ومنظمات حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية.

 

هكذا فرضت  كل هذه التغييرات التكيف على المستبد العربي. ومن بين طرقها  أن يصرخ أن الديمقراطية وحقوق الإنسان هي ركيزة نظامه ،بل  وأن ينظم الانتخابات التعددية المؤطرة ، سامحا لمنافسين مستقلين  بالتقدم لها. لكنّ تزييف الخطاب الممارسة الديمقراطية بمثابة تزييف الأوراق النقدية بطابعة عادية وسط السوق في منتصف النهار, فالتصرفات الاستبدادية حاضرة بقوة في كل لحظة تمنع على التزوير والتمويه كل إمكانية النجاح. كل هذا بفعل قانون أزلي هو تواصل الطبائع واستحالة تغييرها. وفي هذا الشأن يقول الفرنسيون ''اطرد الطبع يرجع لك راكضا''. ويقول العرب" من شبّ على شيء شاب عليه ومن شاب على شيء مات عليه". والمستبد العربي  شبّ على قناعة مطلقة أنه مثلما لا يوجد إلا إله واحد في السماء و إلا أب واحد في العائلة ، فإنه لا يوجد – ولا يجب أن يوجد - في شعب إلا قائد واحد. وفي إطار هذه المنظومة الفكرية الفاسدة يشكلّ تهديد مكانة الزعيم الأوحد أو منافسته عملية بمثل خطورة الشرك بالله أو منافسة أب العائلة في الزوجة والأطفال. لقد كان من السهل ،في إطار الاستبداد القديم ، التنكيل بالمتجاسرين على المحرم  أشرس تنكيل وبصفة إستباقية. لكن كيف يمكن عقاب الهراقطة الجدد المتجاسرين على قداسة الزعيم حتى ولو كان  هو الذي دشّن مدرسة الانتخابات الرئاسية ''التعددية'' .

 

والحلّ كما يتضح من إدانة أيمن نور هو العقاب الرجعي. فالتقدم ضد الزعيم الأوحد، سواء كان مسموحا به أو غير مسموح  يبقى  تجاسرا  على المحرّم. لقد كان من " واجب" أيمن نور أن يرفض، مستعيذا بالله ورسوله أن يشرك في وحدانية الزعيم وأن يصدر فتوى تكفّر كل من يفكّر في الترشح ضدّ أب الشعب وباني مجده وتقدمه وأن يدين بصفة واضحة كل هذا العهر الديمقراطي الذي يريد  للغوغاء أن تقيّم أب الشعب بل وأن تفاضل بينه وبين نكرات لا في العير ولا في النفير. ولأنه لم يفعل ما كان مطلوبا منه بل صدق ما كان مجرّد فخّ للتأكد من صفاء السرائر والقلوب فإنه يقبع اليوم في السجن بتهمة سخيفة هي تزوير وثائق أسخف ما فيها أنها تأتي من قوم زوروا من الوثائق والمفاهيم والقوانين والقيم والانتخابات ما يعلو على أهرام خوفو لو وضعت بعضها فوق بعض.

 

ربما أخطأ أيمن نور في تقديم ترشحه هذا من وجهة نظر الديمقراطية أيضا وليس فقط من وجهة نظر الاستبداد. ألم يكن من واجبه ، هو وغيره ،الإصرار على تواصل النضال إلى أن تتوفر شروط انتخابات فعلية لا تنتهي بوضع  المشاركين في السجن . لكنني آخر من له الحق في مواجهة الرجل بمثل هذه الحجة وقد قدمت ترشحي سنة 1994 ضد الدكتاتور التونسي وانتهي بي الأمر في الحبس الانفرادي أربعة اشهر دون تهمة واضحة.

 

إن الدرس الوحيد الذي يجب أن نتعلمه جميعا من هذه التجارب المريرة أن اللعب مع الغشاشين وفق القواعد المغشوشة التي يسنونها لا يقدّم نحو نظام سليم ، فالأشياء لا تولد من نقيضها والدكتاتورية لا تتطور تدريجيا نحو الديمقراطية مثلما لا تتطور الحيوانات الكاسرة تدريجيا إلى حيوانات آكلة للأعشاب .

 

وسواء  أخطأ  ايمن نور الخيار أم لم يخطئ  فهو اليوم أسير آخر في معركة الاستقلال الثاني . لا بدّ من التجنّد لتحريره هو كل الرهائن السياسيين الموجودين وراء القضبان المرئية دون أن يغيب عنا لحظة أنه الشجرة لا يجب أن تحجب الغابة والغابة هي شعوبنا القابعة في سجن بحجم وطن حارسه سجان  كبير اسمه الاستبداد

tunisie source www.tunisnews.net

Publicité

Publié dans tunisie

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article