رسوم التعريض بالرسول الكريم 02

Publié le par kurt cobain

 الهشاشة والضعف العربي- الإسلامي

إنه الخلل الأخطر الذي فضحته قضية هذه الرسوم وهو يبدأ من اللغة. فالفعل المستعمل لوصفها هو الإساءة ،أي أننا اعترفنا بنجاح عملية أكرم ما توصف به هو محاولة أو نية التعريض بالرسول الكريم. بالله عليكم كيف يمكن الإساءة لشخص بمثل هذا الحجم؟ ومن قبل من وقعت الإساءة لكي تستأهل كل هذا الغضب ....البابا؟ الدالاي لاما؟ رئيس دولة الصين ؟....كلا, من جريدة مغمورة في بلد صغير.

هل يعقل أن تكون ردود الفعل بمثل هذا الحجم على عملية بمثل هذه التفاهة؟ إنه السؤال الوحيد الذي يجب أن نردّ عليه . فإما أننا نؤمن بأن الإسلام ورسوله الأعظم قلعة شامخة تتحدى الزمان، وآنذاك ماذا يضيرنا أن تحطّ عليه لحظة ذبابة قذرة . وإما أننا نكذب على أنفسنا وثقتنا في هذا الذي ندعي الإيمان والتمسك به مهزوزة إلى درجة أن ذبذبة جناحي الحشرة القذرة كافية لإحداث زلزال فيه؟

للأسف يمكن القول أن ما تفضحه ردود الفعل الهستيرية من حرق سفارات وحمل نعش كتب عليه الدانمارك وهذه المسابقة التافهة بخصوص رسوم كاريكاتورية عن محرقة اليهود، ليس عمق الإيمان وإنما عمق حساسية مرضية تعبر عن انعدام الثقة في النفس والأمة. لنتصور ردود فعل شعوب قوية واثقة من نفسها ومن قيمها ومن دينها:

سطر في جريدة عربية يبتسم له القراء ؟ قضية مرفوعة أمام محكمة دانماركية من قبل الجالية المسلمة والبت فيها بهدوء ؟ لفت انتباه لطيف من قبل الأزهر أو أي سلطة روحية لمجلس الكنائس ومسارعة هذا الأخير للاعتذار؟

الثابت أن حساسية العرب والمسلمين المفرطة الناجمة عن مشاعر الإهانة والإذلال وعجرفة الطرف الغربي وجهله وسوء نيته قنابل موقوتة تتهددنا وتتهدد أجيال سترث عنا الكثير من المشاكل والقليل من الحلول.
هل ينفع العقار في ما أفسده الدهر؟

يوم 21 جويلية 2005 دعا شخص اسمه , Kaj Wilhelmsen من منبر إذاعة دانماركية إلى طرد المسلمين من أوروبا الغربية واستئصال ’’ المتطرفين’’ . من حسن الحظ أن محكمة كوبنهاجن أدانته في شهر فبراير 2006. إلا أنه لا يجب أن نغترّ فللعديد من الأطراف في الغرب والعالم العربي والإسلامي نية، وما تتصوره مصلحة ومشروعية، لصب الزيت على النار والدعوة لأجمل حرب ممكنة. إن أمثال الرجل المذكور، وإن كانوا قلة، أكثر مما تتحمله وضعية عالم تكدست فيه الشعوب على بعضها البعض وتشابكت مشاكلها بكيفية تستعصي على الفصل.

هناك أيضا متطرفينا.

إنها قاعدة عامة انه لا أبعد من المتطرفين عن بعضهم البعض عندما يتعلق الأمر بما يسوّقون، ولا أكثر شبها ببعضهم البعض عندما يتعلق الأمر بكيفية التسويق .... الفكر على طرفي النقيض وطرق التفكير واحدة . يجب أن ننتظر منهم استغلال هذه الأزمة إلى ابعد حدود كما يجب أن ننتظر منهم أفعالا تزيد النار اشتعالا ، كل هذا لتغذية تطرّف أشباههم في الطرف الآخر، الذي سيوفر لهم كل الذرائع للتوغل بعيدا في تطرفهم هم ....مما .....الخ .

ثمة أيضا دور الدول في تفويض حريق يتصورون أنه يمكن التحكم في لهبه. أنظر للطريقة التي تعاملت بها أنظمة الفساد والقمع والتزييف التي تحكمنا مع الأزمة . إنها هي التي أوصلت الأمة لحالة الهشاشة والضعف التي تجعلها تهتزّ لأزيز ذبابة قذرة وها هي تنبري للدفاع عن صانع القيم التي تخرقها ليلا نهارا.

إن أعظم فكرة جاء بها الإسلام ،ويكاد يختص به وحده في مستوى الوضوح والجرأة والتبعات الهائلة، هي التي وردت في الآية القرآنية الكريمة’’ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا’’( المائدة 32) .

ليتساءل زعمائنا الأفاضل على ضوء هذه الآية التي تذكر الفساد وقتل النفس كم فسدوا وكم قتلوا من محمد تحت التعذيب وكم عذبوا من محمد وكم أهانوا من محمد وكم سرقوا من محمد وبالتالي كم عذبوا وسرقوا وأذلوا من إنسانية ....أو كم من مرة انتهكوا الإنسانية في كل محمد ساموه خسفا.

وهذا بالطبع كلام لا يعنيهم ولا يرقوا إليه لأن البقاء في السلطة ،بما هي الهاجس والمخدر الكبير، هو الهدف الأول والأخير، وإذا تطلب الأمر المزايدة على الإسلاميين في مثل هذه الفرصة الدسمة فلم لا...مهما كانت النتائج على الأمد البعيد المدى ؟

انظر أيضا كيف استغلوا الفرصة للتنكيل بالصحافيين والصحافة الحرة وهي أكره ما يكرهون وأخشى ما يخشون.

الصحافيون عبد الحليم أكبر صبرا ، يحيا العابد، محمد السعدي ، كمال علوفي في اليمن ، جهاد مومني وهشام الخالدي في الأردن، كمال بوسعد وبركان بودربالة في الجزائر، بعض من الذين سيتشفى فيهم النظام العربي الفاسد يدفّعهم تحت ستار الأزمة ما تخلد بذمة الصحافة الحرة ويبعث لها برسالة مضمونة الوصول حول ضيق الهامش ومناعة الحدود وغلظة الحارس .

أخيرا وليس آخرا، ثمة مصالح الدول الغربية التي ننسى أنها مؤسسات تعمل في ظل البحث عن المصلحة العاجلة وأن الغباء في تسييرها ليس بالندرة التي يحاول أصحابها إخفاؤه عنا . وهذه الأطراف لا تكف هي أيضا عن صب الزيت على النار التي أوقدتها بسياستها تجاه عالمنا العربي الإسلامي ، تخلق كل أسباب ومبررات الإرهاب وتسارع للصراخ منه.

* السؤال بعد هذا التشخيص هل ما زال هناك مكان للأمل في وقف الانجراف .

صحيح انه لا حق لنا في تفاؤل ساذج أو تنقيص من خطورة أزمة تضرب كل أحد في الصميم . لكنه يجب ألا ننسى يوما أن هذا العالم محكوم على الدوام بفعل قوتين لهما نفس الإصرار : قوة الحياة و الخلق وقوة الموت والدمار، وهي الثنائية التي جسدها البشر حسب الزمان والمكان في كيان الشيطان وكيان الملاك أو في مفاهيم نظرية وأخلاقية مثل الخير والشرّ ، أو الظلام والنور.

الثابت اليوم أن قوى الدمار تجد في الجهل وسوء النية وسوء الظن والتطرف والسياسوية والغباء المنثور بسخاء على حافتي الهاوية، ما يغذي مشروعها الرهيب. لكن لقوى الخلق والحياة أدواتها هي الأخرى.

لا يجب أن ننسى أن من خرجوا لحرق السفارات - أحيانا بتساهل إن لم يكن بإيعاز - لا يتجاوزون الآلاف في أحسن الحالات وأن المليار مسلم حافظ على رصانته . لا يجب أن نستهين بالحكم الذي صدر في الدنمارك ضد دعاة العنصرية . لا يجب أن نرفض اعتذار الرجل النرويجي الذي رفع عاليا أمام كاميرات تلفزيونات العالم و تحت رسم شارة السلام كلمة Sorry . اسمحوا لي باسمكم جميعا، وكواحد ممن شعروا بوجود محاولة ونية إهانة ، قبولها وشكره. باسمكم أيضا اسمحوا لي أن أعبر له عن أسفنا جميعا لسيل السب والشتم لشعوب بأكملها صدرت من أفواه عربية غير مسئولة وغير ممثلة .

كذلك لا يجب أن نتهاون في تقدير قيمة العديد من المبادرات الغربية والعربية لتهدئة الوضع.

كل هذا يمنعنا من الإغراق في التشاؤم، لكن لا يجب أن يغيب عنا لحظة أن مهمة رمي الجسور فوق الهوة المتزايدة الاتساع والعمق مرمية على كاهل أقلية من العقلاء وأصحاب النوايا الطبيبة على ضفتي المتوسط والأطلسي ....وأنها ستكون بالغة الصعوبة . كل ما نأمل ألا يمحو هذا ’’ التسونامي’’ جهودا متواضعة ومستمرة لتغليب منطق السلم على منطق المواجهة ..... وألا نضطر يوما للبناء فوق ركام الخراب . ***


مجلة الحدث - العدد 50 - فبراير 2006

Publicité

Publié dans tunisie

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article