كفى من الديكتاتورية
أما على مستوى الحياة الجمعياتية والحزبية فالأمور بلغت حد منع المنتمين إلى بعضهم والحاصل على التأشيرة القانونية من حق الاجتماع ( الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ، التكتل من أجل العمل والحريات، الحزب الديمقراطي التقدمي ) ، بل إن الأمر طال حتى حرية التنقل عبر البلاد، بما جعل الناشطين والمناضلين الحقوقيين والنقابيين والسياسيين خاضعين لنظام الحصار غير المعلن، و إمعانا منها في نهج القمع والاعتداء على العمل الجمعياتي تمنع السلطة البوليسية نقابة الصحفيين من عقد مؤتمرها التأسيسي كما أنها عمدت إلى تنفيذ انقلاب على جمعية القضاة التونسيين أزاحت بواسطته القيادة الشرعية ووضعت قيادة بديلة تابعة بتدخل سافر من وزارة العمل ثم حل دور الجمعية التونسية للمحامين الشبان للانقلاب عليها . كل ذلك يتم على خلفية أوضاع اقتصادية واجتماعية متأزمة وما انفكت تتدهور من يوم إلى آخر إذ يعاني النظام المصرفي من أزم خانقة تشهد بها الأوساط المحلية التي تعودت على تسليم شهادات الاستحسان نتيجة استشراء الفساد والنهب الذي توسعت دائرته بشكل واسع وتراجع الاستثمار لفقدان الثقة و الأمان، في حين تتفاقم ظاهرة البطالة من سنة إلى أخرى نتيجة التسريح الجماعي للعمال وانسداد آفاق التشغيل خاصة لدى حاملي الشهائد العليا، وهو ما دفع بآلاف الشباب إما إلى ركوب قوارب الموت بحثا عن مورد رزق عبر الهجرة السرية أو سلوكه نهج الانحراف و الإجرام.
ولا يخفى أن السبب في أزمة النظام واستفحالها يعود إلى طبيعة العلاقة التي أسس لها منذ قيام سلطة الاستقلال، إذ لما كان الشعب التونسي يتطلع إلى تغيير في بنية العلاقة بينه وبين السلطة الجديدة، بعد نضال طويل ضد سلطة الوصاية و الإخضاع الاستعمارية بوسائل القمع الرهيب من جيش محتل وجندرمة وبوليس وغيرها ، خابت آماله بعد أن أسس بورقيبة لنظام وصاية جديد ادعى لنفسه التفوق والريادة كمسوغ لفرض الرأي الواحد والحزب الواحد، أصبح ما أقامه من مؤسسات حديثة في مظهرها فقط ليس لها من وظيفة سوى فرض تصورات ورؤى قليلة في شأن قضايا مصيرية مثل التنمية والخيارات الأساسية المتعلقة بنظام الحكم وطبيعة الدولة، فتصدى للرأي المخالف بالقمع والتنكيل وجرم العمل السياسي في الواقع عبر تنظيم المحاكمات السياسية والحملات الإعلامية التي تستهدف الترهيب وتشويه كل معارضه، وألقى بالآلاف في السجون بعد النيل من حريتهم الجسدية بالتعذيب والإذلال، وحول الانتخابات إلى مهرجان لتزكية رموز السلطة ومناسبة طقوسية لتثبيت سلطته رافعا الشعار المحجوج " لا إمساك ولا تشطيب " مما افرغ العملية الانتخابية من أي روح تنافسية وجردها من أي مظهر تعددي حقيقي، كما همشوا دور المواطن الذي اصبح يقوم بدور المشارك السلبي في فرض استمرار رموز السلطة بدقة الحكم.
أما التحركات الجماهيرية فقد تم التعامل معها بأساليب القمع الوحشي الذي يذكر بما حصل زمن الاستعمار من قمع وارتكاب مجازر، اذ سقط المئات بين قتيل وجريح في أحداث الإضراب العام يوم 26 جانفي 1978 واحداث انتفاضة الخبز في 4 جانفي 1984. ومع تقدم بورقيبة في السن واستفحال مرضه فتح باب التنافس من أجل الخلافة بين رموز السلطة وهو ما فاقم أوضاع الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعيشها البلاد، مما يجعله يعتمد أكثر فأكثر على أجهزة القمع التي بعد شعورها بدورها المركزي في ادارة شؤون النظام وبقائه تحين أحد رموزها الفرصة لتدبير انقلاب 7-11-1987 وتنفيذه . ولم تكن الطغمة المنقلبة بحكم ماضيها وتجربتها القمعية الطويلة بقادرة على الوفاء بالوعود الديمقراطية التي اثبتت التجربة زيفها و انها استغرقت فقط الوقت للتمكن، ثم عاد القمع المنهجي ليطال كافة العائلات السياسية، وكرست هذا القمع بنيويا عبر ترسيم حضور أخطبوط البوليس السياسي داخل الأجهزة وكما كان يفترض ان يكون مؤسسات وحتى داخل التنظيمات والأحزاب قصد ترهيب الشعب وإخضاع إرادته لمخططاتها في الاستمرار بالسلطة، وأعادت على نحو مبتذل سيناريوهات الانتخابات المزورة وافتعال محاكمات الرأي، وعطلت ظهور آليات المراقبة والمحاسبة بتلجيم الصحافة ووضع القضاء تحت الوصاية و إطلاق أيدي الميليشيات من البوليس السياسي لتمارس التعذيب والاعتداءات، ومارست إلى جانب ذلك شراء الذمم وتوزيع الرشاوي حتى إذا أحكمت سيطرتها على المجتمع وشل قدرته على المقاومة أطلت أيديها و أيدي بطانتها والمقربين إليها في المال العام للنهب وتكوين الثروات بوسائل غير مشروعة، فاقترن القمع بالفساد واصبح استمرار القمع واشتداده نهجا وسياسة للإفلات من المحاسبة.
ان إحياءنا اليوم هذه الذكرى التي فقد بمر السنين قيمتها الرمزية و أثرها المعنوي في وجدان التونسيين ، يجب أن يكون مناسبة للنخب السياسية والنقابية والحقوقية والثقافية، للعبرة والتقويم والعمل من اجل استكمال المسار التحرري.
فلا بد من الاعتبار بما كلف الأجيال السالفة نضالهم من اجل الاستقلال من التضحيات وتقديم ما بذلوه من أرواح ودماء وأحوال فداء للوطن. كما انه لابد من تقويم السلطة الجديدة من زاوية علاقتها بالمواطن من حيث الشرعية واحترام الحقوق والحريات إذ يتأكد الاعتقاد على مر السنين انه لا معنى للاستقلال دون وجود مواطنة حقيقية يكون فيها المواطن مصدر الشرعية لها ويتمتع بحقوقه وحرياته دون تضييق أو مصادرة مثلما هو الحال الآن في تونس. لذلك فانه مطروح على النخب أولا ثم على الشعب استكمال مساره التحريري ولن يكون ذلك إلا عبر تعديل العلاقة مع السلطة عبر إنهاء الوصاية والهيمنة والاستبداد و إقامة البديل الديمقراطي على أنقاض الديكتاتورية القائمة وان المؤتمر من اجل الجمهورية الذي هو طرف مشارك وفاعل في هيئة 18 اكتوبر 2005 إذ يثمن الروح الجديدة التي حكمت مكونات الطيف السياسي والمدني في العمل المشترك من اجل الحد الأدنى من الحقوق والحريات و إطلاق سراح المساجين السياسيين، فانه يدعو إلى دعم أسس هذا العمل سياسيا وذلك عبر إنجاز المؤتمر الوطني الديمقراطي الذي سيعطي ملامح للبديل الديمقراطي بتونس ويعد شروط العمل الجبهوي المنشود والذي نعتبره أساس متطلبات المرحلة الراهنة .
عن المؤتمر من أجل الجمهورية
نائب الرئيس الأستاذ عبد الرءوف العيادي
