الحرية المفقودة
بقلم: كمــــال الـعبيـدي
بعد أسابيع قليلة من خروجي من تونس في صيف 1996 خروجا لا يعرف قسوته سوى أولائك الذين سلبتهم قوى الاحتلال أو الاستبداد حقهم في العمل والعيش بحرية في أوطانهم ، وجدت نفسي ذات يوم في واشنطن بين مئات الباحثين والدبلوماسيين والصحفيين القادمين من شتُى أنحاء العالم وهم يهتزون علي كراسيهم من شدة الضحك علي نتائج مهزلتي الانتخابات الرئاسية في تونس في سنتي 1989 و 1994 .
كان المناسبة الندوة السنوية لــ " معهد الشرق الأوسط " والمتحدث أستاذا بجامعة جورج تاون بواشنطن غزير المعرفة بما يسود المنطقة العربية من استبداد الحكومات وصعود الحركات الإسلامية يدعى جون اسبوزيتو .
لن أنسى شعور الحزن الممزوج بالإحراج الذي انتابنى في ذلك اليوم وسط ضجيج الضحك الذي أثاره الأستاذ اسبوزيتو بسرده لتعليقات ساخرة لأحد أعضاء الكونجرس الأمريكي علي إصرار الجنرال زين العابدين بن علي على أن يكون المرشح الوحيد للرئاسة وألا تقل نتائج المهزلتين الانتخابيتين عن 99% من أصوات الناخبين .
لم يكن هذا الشعور المحزن و المحرج معاً نابعا من غيرتي علي الجنرال بن علي ، "صانع التغيير " ، الذي اشك في قدرته على دفع تونس نحو الأفضل منذ جلوسه بالقوة علي كرسي الرئاسة في قصر قرطاج في نوفمبر 1987 . وقد اعتمد علي موظفين شبوا علي الطاعة العمياء والتزلف والتزييف والعداء لحرية الرأي والصحافة .
كان السبب الأساسي لهذا الشعور تدهور صورة تونس المستمر على الساحة الدولية بعد أن ظلت لسنوات عديدة عقب إعلان الاستقلال في 20 مارس 1956 تبدو وكأنها أقدر من جل الدول العربية علي اللحاق بركب الدول الديمقراطية. كما ظل عدد كبير من أبنائها يظن أن نظام الحكم لن يصبح في يوم من الأيام أضحوكة بين الناس مثل ما كانت في الماضي تلك الدول العربية والإفريقية المنكوبة بأنظمة حكم عسكري. وقد صارت هذه الدول اليوم تسبق تونس علي طريق الحريات والحكم الرشيد.
ومنذ يوم حديث اسبوزيتو تعددت المناسبات التي استمعت فيها في عواصم غربية وعربية وإفريقية مختلفة إلى مزيد من السخرية من نظام يسئ إلى سمعته بشتى الوسائل ويصر علي اتهام نشطاء حقوق الإنسان والصحفيين وعائلات ضحايا القمع والاستبداد بالإساءة إلى " سمعة تونس في الخارج " .
لا ينكر عاقل جسامة المسئولية التي يتحملها الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، قائد حركة التحرر من الاحتلال وداعم مسيرة الرجل والمرأة على طريق التعليم والمساواة والعمل الشريف غداة إعلان الاستقلال، في تمهيد السبيل لما تشهده تونس منذ أكثر من 18 سنة من استبداد أشد حتى من الطغيان الذي عرفه آباؤنا وأجدادنا خلال عهد " الحماية الفرنسية".
لكن يتعين علينا اليوم أن نغتنم فرصة مرور خمسين سنة علي إعلان الاستقلال لحث الباحثين الغيورين بحق علي سمعة تونس كي يقارنوا ما يجري الآن في " العهد الجديد " بما كان في " عهد الحماية الفرنسية " ليقولوا لنا أي العهدين اكثر استبدادا وتضييقاً على حرية التعبير وما هي الدروس التي ينبغي استخلاصها .
لن ينتشر الوعي بضرورة الخلاص في أقرب الآجال من نظام الاستبداد والفساد الجاثم على صدر تونس طالما يظل جل التونسيين لا يعلمون أن الحق في حرية التعبير والصحافة وفي تأسيس الجمعيات والأحزاب كان مصانا أكثر أيام "الحماية الفرنسية" وأنه لم يحدث أن اعتدت سلطات الاحتلال الفرنسية علي محامين تونسيين علي قارعة الطريق أو عملت على التنكيل بهم و تشويه سمعتهم وإرهاب عائلاتهم مثلما يحدث اليوم لعائلتي محمد عبو ومختار الجلالي، على سبيل الذكر لا الحص