زمن المقاومة
أما تزامن هذه الأحداث فليس من باب الصدفة وإنما مؤشر على دخول الأزمة المزمنة في منعرج بالغ الخطورة.
لقد كان الوعد بالإصلاح نتيجة الضغط الأمريكي بعد أن فهمت الإدارة الأمريكية الحالية أن أكبر منتج لعدم الاستقرار في المنطقة والعالم هو سياسة أنظمة فاقدة الهيبة والمصداقية والشرعية ،لم تترك خيارا للناس غير الاستسلام أو التمرّد . لكنها غارقة اليوم لعنقها في المستنقع العراقي و أعجز من قدرة فرض أي شيء على أنظمة هي بأمس الحاجة إليها في ما تسميه الحرب على الإرهاب. لا شك أيضا أن هذه الأخيرة أدركت أن حماس بوش وجماعته لنظام ديمقراطي في "الشرق الأوسط الكبير" قد خفّ كثيرا بعد انتصار حماس وما يؤذّن به في حال انتخابات ديمقراطية في أي قطر آخر.هل يعني هذا أن الإدارة الأمريكية الحالية أطلقت يديها بصريح العبارة أو بالتغاضي لضرب الحركة الديمقراطية والحقوقية العربية وليس فقط الحركة الإسلامية ؟ إنها فرضية يجب أن تكون حاضرة في أذهان كل الفاعلين السياسيين العرب إلى أن يأتي ما يثبت العكس.
لكن انتهاء الضغط الخارجي يبقى ثانويا في تفسير الهجمة الشرسة التي تتعرض لها حركات إصلاحية ومسالمة وغير إسلامية في مجملها .
إن مأساة الأنظمة الاستبدادية العربية ،وليس فقط جملكيات تونس ومصر وسوريا ،أنها فقدت على مر السنين الشرعية بالتاريخ أي ريادتها في تحرير الوطن، والشرعية بالأيدولوجيا أي تمثيل الفكر الوطني أو القومي أو الاشتراكي ، والشرعية بإرادة الشعب أي خروج سلطتها من انتخابات نزيهة، وخاصة الشرعية بالمشروع أي تحرير فلسطين أو تحقيق الرخاء والعدل الخ .
وبفقدانها كل هذه الأغطية الواحد بعد الآخر أصبحت تعيش في رعب النزع الأخير .من يدرك أحسن منها أنها فقدت كل ماء الوجه وكل قاعدة سياسية داخل البلد الذي تدعي تمثيله ... أنه لا جدوى مستقبلا لأي خطاب عن الإصلاح لأن هذا الخداع لم يعد ينطلي على أكبر ساذج ...أن السياسة بمفهومها الراقي والواسع لم تعد في مقدورها ... أنه لم يعد من حام لوجودها غير تواطؤ الشرطي الدولي وهراوة الشرطي المحلي. لا غرابة أن تضع جنبا كل المساحيق والأقنعة وألا تستحي من اللجوء إلى القمع الوقائي أمام أبسط تحرّك وهي مثل قلعة محاصرة تشعر أنها على وشك السقوط .
معنى هذا أننا دخلنا المنعرج الأخير والأخطر الذي تدخله كل دكتاتورية نفذ خزانها من كل وقود سياسي وهي مثل الحيوان الجريح المحشور في زاوية . وفي مثل هذه الحالة لا بدّ من الوعي بأن القضية أصبحت مسألة حياة أو موت بالنسبة لحفنة الأشخاص الذين يكونون لب النظام الفاسد ،و خاصة بالنسبة لشعوب أصبحت أنظمتها عدوها الأول وحجر العثرة الكبرى أمام بقائها وتطورها.
لا مجال اليوم للهروب من الحقيقة وهي أننا أمام أنظمة للاقتلاع و إلا تطورت كما يتطور الورم الخبيث داخل الجسم الذي ابتلي به. إن واجبنا ومسؤوليتنا تجاه الوطن والأجيال القادمة في استئصال هذا الورم لفرض حق الملايين في الحياة الكريمة على حق حفنة من الأشخاص في التأله والسلب والنهب وعدم المحاسبة،و يقايضون وجودهم بتفكك مجتمع بأسره وسقوطه في بئر بلا قاع من اليأس والبؤس والعنف.
الثابت أن هذه المعركة لن تكون سهلة، فالعصابات مستعدة للدفاع عن نفسها إلى آخر نفس وحلفاؤها لن يتوانون عن مساندتها لعلمهم أن البديل لن يكون الدمية الطيعة التي يريدون .
الثابت أيضا أنها معركة يمكننا خسارتها وإن خسرناها فبثلاث خيارات كارثية( ولا نتحدث هنا عن خيار بعض المساكين التمسك بصبر أيوب علّ الثور يجود عليهم ببعض الحليب)
- تعويل الإسلاميين المتشددين على العنف وهو آخر بصيص أمل أنظمة تغذيه وتتمعش من ادعاء مقاومته .
- تعويل الديمقراطيين المتغرّبين على بعض الأنظمة الغربية الحالية والحال أنها الصديق الوفي للدكتاتوريات العربية والصديق الكاذب للحركة الديمقراطية العربية ناهيك على أنها،بعد قوانتانامو والسجون السرية والتعذيب بالتفويض ورفض نتائج الانتخابات الفلسطينية ، آخر من لها الحق في ادعاء الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الإنسان.
- أخيرا وليس آخرا صراع الديمقراطيين والإسلاميين على فروة الدب قبل صيده وهذه أحسن هدية للدابة الجريحة ومهلة إضافية لتواصل آثامها .
لكن من البديهي أننا نستطيع ربحها بثلاث توجهات استراتيجية :
- إقرار كل القوى السياسية والحقوقية بنهاية زمن المعارضة وبداية زمن لمقاومة ، أنه لم يعد لأنظمة الفساد والتزييف والقمع حق الوجود ولا يجوز مستقبلا مطالبتها بأي شيء خارج الرحيل ،مع مقايضة رحيل سلمي بعدم المتابعة ، وعدم التفويت أبدا في مثل هذه المتابعة إذا أسالت العصابات الدم للبقاء في الحكم بأي ثمن.
- تكوين أوسع جبهة سياسية ممكنة ضد الاستبداد تطرح معالم البديل الديمقراطي وتعمل على تكريسه.
- تجنيد القوى البركانية الهائلة التي تغلي داخل الأجيال الجديدة عبر المظاهرات و شن الاضرابات القطاعية وصولا إلى رفض دفع الضرائب والإضراب العام وبصفة عامة استعمال ما تتفتق عنه عبقرية الشعوب من وسائل الانتفاض السلمي .
كل هذا إلى يوم نهاية الكابوس ...إلى يوم انتصاب الجمهورية والنظام الديمقراطي ....إلى يوم تحقيق الاستقلال الثاني . نكون أو لا نكون ....
اشتدّي أزمة تنفرجي,
21-5-2006