جزرة من البلاستيك وعصا حقيقية
جزرة من البلاستيك وعصا حقيقية
أمّ زياد
انتهت قمة مجتمع المعلومات -حسب رواية النظام- بمعجزة اكتشفها العالم وانبهر بها، معجزة ريادة النظام التونسي في كل شيء بما في ذلك الديمقراطية واحترام الحريات وحقوق الإنسان.
ومع ذلك تفاجأنا غداة انتهاء القمة بمبادرتين رئاسيتين متناقضتين مع الخطاب الانتصاري آنف الذكر وتقرّان ضمنيا بأن الكمال المتغنّى به يحتاج إلى بعض الترميمات وهذان المبادرتان هما تكليف السيد زكريا بن مصطفى رئيس الهيأة العليا لحقوق الإنسان بالحوار مع المعارضة والمجتمع المدني وتعيين محمد علي القنزوعي كاتب دولة الداخلية مكلفا بالأمن.
لقد ذهب بعض الملاحظين إلى القول بأنّ المبادرتين تتناقضان بينهما وهذا صحيح في المطلق ولكنه في منطق النظام التونسي غير صحيح فالمبادرتان تتكاملان وتدلان على نفس النهج الذي سلكه النظام منذ نشأته نهج التطميع والتخويف أو جزرة البلاستيك والعصا الحقيقية.
جزرة البلاستيك في هذه المرة أظهر زيفا وأسوأ محاكاة للحقيقة وذلك نظرا إلى طبيعتها وتوقيتها.
- طبيعة الجزرة تتمثل في الشخص الذي كلف بتقديمها وفي الهيأة التي يمثلها. ليس لي على السيد مصطفى شخصيا مآخذ فهو شخص محترم ولكنه لطيف أكثر مما ينبغي لمثل المهمة التي كلف بها، في ما مضى أهانه بورقيبة وسماه "متاع الزبلة" وحمّله جزءا من مسؤولية أحداث الخبز الدامية دون أن يستطيع لنفسه شيئا فماذا يمكن أن ننتظر من رجل بهذا اللطف مع نظام يفوق نظام بورقيبة شراسة وتحجّرا؟ أما الهيئة التي يمثلها فهيأة بدون Bidon لا شأن لها بحقوق الإنسان بل هي ضد حقوق الإنسان بدليل تقاريرها المزيفة للحقائق وبدليل صمتها على الانتهاكات ومما علق في ذهني بهذا الشأن أن فاطمة قسيلة توجهت مرة إلى السيد رشيد إدريس سلف السيد بن مصطفى لتشكو من سوء معاملة زوجها في السجن فنهرها قائلا:" إنّه سجن وليس نزلا بأربعة نجوم" وحتى لو فرضنا جدلا أنّ هذه الهيأة تتمثل شيئا ذا بال فهي ليست مؤهلة لإدارة حوار سليم بين السلطة والمجتمع المدني لأنها عند ذلك تكون جزءا من المجتمع المدني وتحتاج إلى خطاب من السلطة ذاتها.
- توقيت هذه المبادرة أكثر من مضحك... السلطة تريد حوارا غير مباشر مع معارضيها بعد 18 سنة من الأوامر والنواهي والمماطلة والتسويق والوعود التي تنفذ بالعكس... إن وعي السلطة بالزمن وعداده وعي منعدم أو هي تتجاهل أن للزمن عدادا لأنها مرتبكة... مرتبكة وخائفة وهنا نصل إلى الشق الآخر من أسلوب الحكم عند هذا النظام وهو أسلوب التخويف.
التخويف بيس جديدا علينا ويكاد يكون المؤسسة التي تنصهر فيها جميع المؤسسات في هذا النظام منذ نشأته إلا أن هذا التخويف يقوى ويضعف بحسب شخص الساهر على اشتغال آلته وتسمية القنزوعي في هذا الظرف لها دلالاتها الآنية والمستقبلية هذا الشخص هو أحد المهندسين الذين أرسوا الشبكة العنكبوتية البوليسية الخانقة وله في القمع باع وذراع... ولكنّ قمعه والحق يقال أكثر "نظافة" من قمع الجنرال المتقاعد الذي خلفه ومن ثم فإنّ تسميته في هذا الظرف تعني تدارك الأخطاء و"انفلات" المجتمع المدني. وهذا ما سجله الإعلام الدولي بالصورة والصوت ليكتشف العالم وتونس بالذات طبيعة الحصار الأمني المضروب على هذه البلاد كما تعني هذه التسمية الاستعداد لمستقبل متوقع في حرب الخلافة وهذا ما يحتاج إلى درجة أعلى من التخويف حتى تتم الخلافة في "أفضل الظروف".
إنّ ظاهر ثنائية جزرة البلاستيك والعصا الحقيقية قد يوهم بأنّ النظام يطمّع ويهدّد من موقع القوّة والاقتدار ويرمي من وراء مصيدة السيد بن مصطفى إلى تجديد ديكوره المهترئ بإدخال زبائن جدد تحت الخيمة البنفسجية على أن يتولّى القنزوعي أمر المتمردين والانفلاتيين. وهنا أنزّه الأحزاب والجمعيات المستقلة عن بلع مثل هذا الطعم، خاصة بعد خروجها منتصرة من التحركات التي صاحبت انعقاد القمة. وبهذا نصل إلى باطن ثنائية هذا الوعد والوعيد الصادر عن نظام مرتبك يسعى إلى ربح الوقت بإرسال إشارات إلى الداخل وخاصة إلى الخارج وتحتدم فيه صراعات داخلية بدأنا نراها منذ مدة متمثلة في أوامر وأوامر مضادة ومكائد يكيدها هذا الجناح لذلك الجناح. وغير نستبعد أن يكون هذا البارد الحار المعروض على المجتمع المدني فعل جناح من أجنحة النظام المتناحرة.
ولهذا فالحكمة تقتضي اليقظة ومواصلة الضغط من أجل تغيير حقيقي بعيدا عن صراعات النظام الداخلية، فالعقلاء منّا- في رأيي المتواضع- لايمكن أن يقايضوا مقاعد في البرلمان ومجلس المستشارين وترخيصات لهذه الجمعية أو تلك الجريدة باعتلاء ليلى الطرابلسي سدة الحكم أو غيرها من مرشحي النظام الذي أسر البلاد وقوّض مؤسساتها وجعل أهلها يعيشون في رعب دائم.
أمّا عن التخويف... فقد ألفناه ولن يكون ما ينتظرنا منه أسوأ مما عشناه. فنحن لم نعد في بداية التسعينات والقنزوعي لم يعد يخيف على معنى أنّ "الإلف يذهب بالعجب" إنّما النظام هو الذي صار الآن خائفا وبما أنّه ما يزال أيضا عنيدا والأمران لا يتعايشان طويلا فعلينا أن نحافظ على شمعة الأمل ولا نطفئها لا بالخوف ولا بالانخراط في حوار مغشوش، فجزرة البلاستيك جرّبت طويلا ولم تصحّ. وإنّما أذلّ الطمع فيها أعناق الرجال... والنساء أيضا.
هذا تحذيري المتواضع ومن رمى به عرض الحائط والْتقمَ جزرة البلاستيك فليحترس لأضراسه... ولجنبيه أيضا لأنّ التقام جزرة البلاستيك لا يضمن دائما الإفلات من العصا، ولْنع نهائيّا أنّ من له حسّ ديمقراطي أصيل لا يتحاور مع الاستبداد بل يقاومه.
انتهت قمة مجتمع المعلومات -حسب رواية النظام- بمعجزة اكتشفها العالم وانبهر بها، معجزة ريادة النظام التونسي في كل شيء بما في ذلك الديمقراطية واحترام الحريات وحقوق الإنسان.
ومع ذلك تفاجأنا غداة انتهاء القمة بمبادرتين رئاسيتين متناقضتين مع الخطاب الانتصاري آنف الذكر وتقرّان ضمنيا بأن الكمال المتغنّى به يحتاج إلى بعض الترميمات وهذان المبادرتان هما تكليف السيد زكريا بن مصطفى رئيس الهيأة العليا لحقوق الإنسان بالحوار مع المعارضة والمجتمع المدني وتعيين محمد علي القنزوعي كاتب دولة الداخلية مكلفا بالأمن.
لقد ذهب بعض الملاحظين إلى القول بأنّ المبادرتين تتناقضان بينهما وهذا صحيح في المطلق ولكنه في منطق النظام التونسي غير صحيح فالمبادرتان تتكاملان وتدلان على نفس النهج الذي سلكه النظام منذ نشأته نهج التطميع والتخويف أو جزرة البلاستيك والعصا الحقيقية.
جزرة البلاستيك في هذه المرة أظهر زيفا وأسوأ محاكاة للحقيقة وذلك نظرا إلى طبيعتها وتوقيتها.
- طبيعة الجزرة تتمثل في الشخص الذي كلف بتقديمها وفي الهيأة التي يمثلها. ليس لي على السيد مصطفى شخصيا مآخذ فهو شخص محترم ولكنه لطيف أكثر مما ينبغي لمثل المهمة التي كلف بها، في ما مضى أهانه بورقيبة وسماه "متاع الزبلة" وحمّله جزءا من مسؤولية أحداث الخبز الدامية دون أن يستطيع لنفسه شيئا فماذا يمكن أن ننتظر من رجل بهذا اللطف مع نظام يفوق نظام بورقيبة شراسة وتحجّرا؟ أما الهيئة التي يمثلها فهيأة بدون Bidon لا شأن لها بحقوق الإنسان بل هي ضد حقوق الإنسان بدليل تقاريرها المزيفة للحقائق وبدليل صمتها على الانتهاكات ومما علق في ذهني بهذا الشأن أن فاطمة قسيلة توجهت مرة إلى السيد رشيد إدريس سلف السيد بن مصطفى لتشكو من سوء معاملة زوجها في السجن فنهرها قائلا:" إنّه سجن وليس نزلا بأربعة نجوم" وحتى لو فرضنا جدلا أنّ هذه الهيأة تتمثل شيئا ذا بال فهي ليست مؤهلة لإدارة حوار سليم بين السلطة والمجتمع المدني لأنها عند ذلك تكون جزءا من المجتمع المدني وتحتاج إلى خطاب من السلطة ذاتها.
- توقيت هذه المبادرة أكثر من مضحك... السلطة تريد حوارا غير مباشر مع معارضيها بعد 18 سنة من الأوامر والنواهي والمماطلة والتسويق والوعود التي تنفذ بالعكس... إن وعي السلطة بالزمن وعداده وعي منعدم أو هي تتجاهل أن للزمن عدادا لأنها مرتبكة... مرتبكة وخائفة وهنا نصل إلى الشق الآخر من أسلوب الحكم عند هذا النظام وهو أسلوب التخويف.
التخويف بيس جديدا علينا ويكاد يكون المؤسسة التي تنصهر فيها جميع المؤسسات في هذا النظام منذ نشأته إلا أن هذا التخويف يقوى ويضعف بحسب شخص الساهر على اشتغال آلته وتسمية القنزوعي في هذا الظرف لها دلالاتها الآنية والمستقبلية هذا الشخص هو أحد المهندسين الذين أرسوا الشبكة العنكبوتية البوليسية الخانقة وله في القمع باع وذراع... ولكنّ قمعه والحق يقال أكثر "نظافة" من قمع الجنرال المتقاعد الذي خلفه ومن ثم فإنّ تسميته في هذا الظرف تعني تدارك الأخطاء و"انفلات" المجتمع المدني. وهذا ما سجله الإعلام الدولي بالصورة والصوت ليكتشف العالم وتونس بالذات طبيعة الحصار الأمني المضروب على هذه البلاد كما تعني هذه التسمية الاستعداد لمستقبل متوقع في حرب الخلافة وهذا ما يحتاج إلى درجة أعلى من التخويف حتى تتم الخلافة في "أفضل الظروف".
إنّ ظاهر ثنائية جزرة البلاستيك والعصا الحقيقية قد يوهم بأنّ النظام يطمّع ويهدّد من موقع القوّة والاقتدار ويرمي من وراء مصيدة السيد بن مصطفى إلى تجديد ديكوره المهترئ بإدخال زبائن جدد تحت الخيمة البنفسجية على أن يتولّى القنزوعي أمر المتمردين والانفلاتيين. وهنا أنزّه الأحزاب والجمعيات المستقلة عن بلع مثل هذا الطعم، خاصة بعد خروجها منتصرة من التحركات التي صاحبت انعقاد القمة. وبهذا نصل إلى باطن ثنائية هذا الوعد والوعيد الصادر عن نظام مرتبك يسعى إلى ربح الوقت بإرسال إشارات إلى الداخل وخاصة إلى الخارج وتحتدم فيه صراعات داخلية بدأنا نراها منذ مدة متمثلة في أوامر وأوامر مضادة ومكائد يكيدها هذا الجناح لذلك الجناح. وغير نستبعد أن يكون هذا البارد الحار المعروض على المجتمع المدني فعل جناح من أجنحة النظام المتناحرة.
ولهذا فالحكمة تقتضي اليقظة ومواصلة الضغط من أجل تغيير حقيقي بعيدا عن صراعات النظام الداخلية، فالعقلاء منّا- في رأيي المتواضع- لايمكن أن يقايضوا مقاعد في البرلمان ومجلس المستشارين وترخيصات لهذه الجمعية أو تلك الجريدة باعتلاء ليلى الطرابلسي سدة الحكم أو غيرها من مرشحي النظام الذي أسر البلاد وقوّض مؤسساتها وجعل أهلها يعيشون في رعب دائم.
أمّا عن التخويف... فقد ألفناه ولن يكون ما ينتظرنا منه أسوأ مما عشناه. فنحن لم نعد في بداية التسعينات والقنزوعي لم يعد يخيف على معنى أنّ "الإلف يذهب بالعجب" إنّما النظام هو الذي صار الآن خائفا وبما أنّه ما يزال أيضا عنيدا والأمران لا يتعايشان طويلا فعلينا أن نحافظ على شمعة الأمل ولا نطفئها لا بالخوف ولا بالانخراط في حوار مغشوش، فجزرة البلاستيك جرّبت طويلا ولم تصحّ. وإنّما أذلّ الطمع فيها أعناق الرجال... والنساء أيضا.
هذا تحذيري المتواضع ومن رمى به عرض الحائط والْتقمَ جزرة البلاستيك فليحترس لأضراسه... ولجنبيه أيضا لأنّ التقام جزرة البلاستيك لا يضمن دائما الإفلات من العصا، ولْنع نهائيّا أنّ من له حسّ ديمقراطي أصيل لا يتحاور مع الاستبداد بل يقاومه.
tunisie source www.kalimatunisie.com/article.php?id=103
Publicité