الأستاذ محمد عبو: سنة أولى سجن
الأستاذ محمد عبو: سنة أولى سجن
تنقضي اليوم السنة الأولى على اعتقال رفيق النضال من أجل الحرية و العدالة الأستاذ محمد عبو الذي اختطفه الاستبداد و رعاة الفساد و احتجزوه بعيدا عن أطفاله و زوجته و ذويه و أرادوا أن يغلقوا باب زنزانته على صوته و قلمه و الحلم الذي يحمله لوطنه.
السجن الذي أراد محمد عبو أن يكون صوتا لعذابات من تنتهك إنسانيتهم و تهدر كرامتهم و يموتون في صمت داخله من المظلومين و المقهورين هو ما حكم عليه عرّابوا الفساد في هذه البلاد أن يغيب في ظلمته بغير ذنب اقترفه. و لأن محمد عبو أراد فضح جريمة من بين الجرائم التي ترتكب في حق هذا الشعب لفقت له التهم و انصبت عليه النقم فحراس أبو غرائب تونس لا نملك لهم صور غير قوائم موتاهم و آثار العذاب المرعبة على أجساد ضحاياهم و الشهادات المريعة التي تحفظها ذاكرة من كتبت له النجاة بعد المعاناة.
عندما كان محمد عبو يخيط فمه في عملية رمزية بالغة الدلالة من داخل زنزانته اعتقد السيد الوزير أنه صمت و طمست جريمته حتى أنه ذهب إلى مجلس النواب ليحكي لهم كيف تحولت السجون من غرائب تونس إلى مفخرة للبلاد. (1) لعل مفخرة الوزير من قبيل ما يرويه أحد الناجين من أجنحة الموت البطيء مما شاهده بأم عينيه مع اثنين من مرافقيه لما حصل لأحد الشبان المعتقلين الذي لم يجد وسيلة احتجاج على سوء وضعه سوى الإقدام على تشويه نفسه فما كان من مدير السجن و طبيبه سوى حمله لجناح العزلة للإختلاء في التشنيع بضربه بعد تعريته تماما من ثيابه ثم قاما بتعليقه من قدميه في سقف الممر الفاصل بين زنزانات العزلة وتركاه ينزف بعد أن حرصا على تشويه جرحه بفضلاته عوض الدواء و لم يعودا إلا في اليوم الموالي لحمل جثته. و هذا المدير لا زال مباشرا شأنه شأن هذا الوزير الذي قام بترقيته بعد حفظ الشكوى لطمس جريمته فكيف لنا أن ننتظر أن ترد لمحمد عبو حريته و ما حصل و مازال يحصل في السجون معرة يندى لها الجبين و لن تمحى في حق كل التونسيين طالما بقيت أداة للتشفي في أيدي الحاقدين.
لست أعني هنا أجنحة أصحاب الإمتيازات حيث خدمات الخمسة نجوم أين تقل الممنوعات و تطول أوقات الزيارات و تتيسر جميع الصعوبات، حتى مجرميهم محضوضين لا يطول بهم المقام رهن الإعتقال و تختصر لهم الآجال رغم ما هم فيه من يسر الحال فهم محط العناية الموصولة تغدق عليهم قرارات الإفراج هذا إن لم تسن لهم قوانين العفو مثل تلك التي تصدر دوريا في حق المحتالين لتعيدهم إلى سلك المستثمرين و بعضهم يدركه العفو قبل أن يتجرأ أحد حتى على مجرد إعلامه أن ملايين الدنانير التي إبتلعها بموجب شيكات بدون رصيد كانت مخالفة للقوانين. أما أبناء جرجيس و أريانة و بنزرت و حي الغزالة و كل مدينة و قرية أو حي من أحيائنا فهم لا يعاقبون من أجل الأفعال التي ارتكبوها و إنما من أجل ما يحملونه من أفكار و ما قد يخامرهم من نوايا و هواجس الإنتصار لبلدهم في هذا الزمن الغدار. و حتى في سجنهم لهم صبغة خاصة و المقصود بالخصوصية في شدة التنكيل و السل و الجرب و الدمل و البق و القمل إضافة إلى وكل تلك الأمراض و الحشرات التي اندثرت من البلاد و لم تحفظ إلا في سجونهم لتشديد العقاب و هي وسائلهم التي يحولون بها الحياة إلى عذاب متى لم تطولهم هراوات الحراس وفرق الطلائع و من يسلطون عليهم من الأنجاس.
فما أشبه هذا العهد بعهد الاستعمار حيث تتحول السجون إلى موطن الأحرار. كثيرون يا محمد عبو يلومونك و يحملونك تبعة مصيرك لأنك لم تنتقي حروفك و تحسن فرز عباراتك فما دهاك أن تشبه أبو الغرائب بأبو غريب و أن تسمي الحمار حمار و لما لا تعتذر و تتسول لك عفوا أو واسطة خير حتى يفك عليك الحصار. لقد نقم الاستعمار على آبائنا و أجدادنا أنهم رفضوا أن يكونوا على شاكلته و رفضوا قيمه وحضارته التي جاء ليشاركهم بها بمنطق الدونية في وطنهم فما عسى أن ينقم علينا الذين يحكموننا اليوم سوى رفضنا أن نكون مثلهم أو نقبل بتأبيد وصايتهم أو حتى مجرد شهداء صامتين على قهرهم لشعبنا و نهبهم لوطننا.
إن ما يحصل اليوم لبلادنا يشبه المحرقة التي و إن لم تأتي على أجسادنا فإنها لم تبقي و لم تذر شيئا من حقنا في الحرية و من مقومات سيادتنا كمواطنين كاملي الحقوق في بلادنا. و يبقى احتجازهم لمحمد عبو شاهدا على هذا الاعتداء و دليل تورطهم في هذه الجريمة النكراء(2).
المختار اليحياوي – تونس : 02 مارس 2006
1- تراجع جريدة الصباح في تغطيتها لمداخلة وزير العدل بمناسبة عرض الميزانية تحت عنوان "السجون في تونس مفخرة "
2-نظمت الهيئة الوطنية للمحامين اليوم بدار المحامي محاكمة صورية لقضية الأستاذ محمد عبوا انتهت بتبرئته