خطوة مترددة ....
الإفراج عن المساجين السياسيين - خطوة مترددة .... في الاتجاه الصحيح
أحمد نجيب الشابي
قررت الحكومة في خطوة مفاجئة الإفراج عن عدد من المساجين السياسيين. وتمثل عنصر المفاجأة هذا في أن الحكومة لم تنتظر موعد الذكرى الخمسين لاستقلال البلاد في العشرين من مارس الجاري لتعلن عن قرارها ورأت لأسباب لا زالت مجهولة، وفي خطوة غير مسبوقة من جهة ما استقرت عليه تقاليد الحكم في هذا المجال، أن تسرع بالإعلان عن قرارا العفو في وقت كانت تتعرض فيه لضغوط من القوى الوطنية ومن أصدقائها في الخارج على حد سواء قصد اتخاذ إجراءات تحررية تخفف من حالة الاحتقان السياسي الذي تعيشه البلاد.
أما أهمية الحدث فتتمثل في إنهاء معاناة عدد من الوجوه السياسية التونسية قبعت في غياهب السجون لمدد تزيد عن الخمسة عشر سنة دون أن يكون سجلّ الحياة الوطنية قد دوّن أحداثا من شأنها أن تبرر مثل هذه القسوة التي جاءت أقرب إلى الانتقام منها إلى العدل. ومن بين المفرج عنهم قياديون في حركة النهضة يتقدمهم السيد حمادي الجبالي مدير صحيفة الفجر ومن بينهم أيضا شبان جرجيس وعدد من شبان أريانة الذين تورطوا في قضايا نعتت "بالإرهابية" على خلفية إبحارهم على شبكة الانترنت ودخولهم إلى مواقع "محظورة". وكانت هذه القضايا قد أثارت سخطا شديدا في جميع الأوساط ولم تقتنع بجدواها الأوساط الغربية التي كانت ترمي إلى إقناع التونسيين باليقظة والتشدد في ميدان "مقاومة الإرهاب".
وهنا يقف عنصر المفاجأة والأهمية ليكتسي الحدث في ما زاد على ذلك طابع التقليد والرتابة الذي اتسمت به خطوات الحكومة في هذا المجال. فهي لم تعلن عن قائمة المفرج عنهم من السياسيين وحشرتهم ضمن زمرة من المحكوم عليهم في قضايا الحق العام مؤكدة بذلك رفضها المستمر الاعتراف بوجود مساجين سياسيين في تونس أو التعامل مع ملف النهضة تعاملا سياسيا تقتضيه ضرورات القبول بالتعددية وإدماج كل القوى التونسية في إطار العملية السياسية التي تطرحها الحاجة إلى الإصلاح في بلادنا. واضطر المراقبون من سياسيين وإعلاميين إلى الانتظار أكثر من أربع وعشرين ساعة لمعرفة قائمة المفرج عنهم التي أعدتها، مشكورة، منظمة غير معترف بها ألا وهي "الجمعية الدولية للدفاع عن المساجين السياسيين".
ومن جهة أخرى اتسم القرار الحكومي بالتردد الذي تميزت به سياسة الحكومة في هذا المجال فلم تشأ إنهاء ملف المساجين السياسيين بالإفراج عنهم جميعا وإنما اختارت أن تفرج عمن بقي لهم قضاء أقل مدة محكوم بها عليهم فيما أبقت رهن الاعتقال على عدد كبير من قياديي حركة النهضة من أمثال الصادق شورو والحبيب اللوز وعبد الكريم الهاروني والعجمي الوريمي الذين يقضون عقوبات تبلغ الخمس وعشرين سنة سجنا وحتى المؤبد بالنسبة لبعضهم.
ومن نتائج المعالجة "غير السياسية" لهذا الملف أن تجاهل الإجراء الحكومي حالة الآلاف من التونسيين اللاجئين ببلاد الغربة لمدد تزيد هي الأخرى عن الخمس عشر سنة مبقية بذلك على تشردهم وتمزق عائلاتهم وحرمانهم من الحق في الحياة الهادئة الكريمة ببلادهم. كما أبقت على معاناة آلاف المشردين من قدماء المساجين الذين قضوا العقوبات المحكوم بها عليهم ليعرفوا بعدها ألوان التهميش والحرمان من العمل وحتى من الحق في التنقل داخل البلاد فضلا عن حق السفر وغيره من الحقوق الطبيعية المتعارف عليها في عصرنا الحديث. وبعبارة أخرى فإن الحكومة لا زالت تمعن في رفضها لمطلب العفو التشريعي العام وهو المطلب الذي أجمعت عليه القوى الوطنية من كل الاتجاهات وظلت الحكومة ترفضه من دون مبرر أو سبب مقنع.
ويظل هذا الإجراء الجزئي والمعزول، على أهميته، قاصرا عن الاستجابة للحد الأدنى من الإجراءات التحررية التي يتطلبها الوضع السياسي في بلادنا. فلا معنى سياسيا معتبرا "لإفراج مؤقت" عن قيادات سياسية في وقت تصر فيه الحكومة على توظيف القضاء لمنع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من عقد مؤتمرها الوطني السادس وتطلب فيه النيابة العمومية من فرع تونس لهيئة المحامين "تصفية " مكتب الأستاذ محمد عبو الذي استثني من العفو وظل يقبع وراء القضبان منذ عام أو يزيد من أجل جريمة رأي شبّه فيها السجون التونسية بسجن أبو غريب، وفي وقت تستمر فيه الحكومة في منع الصحافيين من عقد المؤتمر التأسيسي لنقابتهم المستقلة، وفرض هيئة صورية على جمعية القضاة و منع "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" من مجرد الاجتماع فضلا عن قيامها بنشاطات عمومية بدعوى عدم قانونيتها وكأن مصدر الشرعية يكمن في ما قد ترغب فيه الإدارة أو تأباه بعيدا عن كل مفهوم للحقوق الطبيعية والمبادئ الدستورية والمراقبة القضائية المستقلة.
في ضوء هذه الحقائق، وبقطع النظر عن أبعاده الإنسانية الهامة وعن الدوافع التي وقفت وراء الإسراع به، يبقى الهدف من الإفراج عن أكثر من ثمانين سجينا سياسيا أقرب إلى امتصاص الغضب منه إلى الإيذان بانفراج سياسي قريب في بلادنا.
وحتى يتحول هذا الإجراء إلى خطوة في الاتجاه الصحيح لا يملك المجتمع التونسي وقواه الحية سوى التكتل من أجل تسليط أقصى الضغط السياسي على الحكومة حتى تقبل بالتعدد وبالتعامل معه سياسيا لا أمنيا، فتستجيب لمطمح التونسيين في اللحاق، لا بالدول المتقدمةّ فهذا مستكثر عليهم، بل مجرد اللحاق بأشقائهم في المغرب أوالسينغال.
يجب أن تفهم الحكومة بأن المشاركة السياسية ليست حقا بالنسبة لكل التونسيين وحسب، يولدون به ولا يملك أحد حجبه عنهم، وإنما هي الطريق الوحيدة لتأمين الاستقرار والإطار الكفيل بتعبئة طاقاتهم في وجه التحديات المتعاظمة التي تواجههم. ولن تفهم الحكومة هذه الحقيقة ولن تقبل بهذه الضرورة حتى تتكتل كل القوى التونسية في وحدة عمل حول الحد الأدنى من الحريات وصولا إلى برنامج متكامل للانتقال إلى الديمقراطية في بلادنا وهو الطريق الذي خطته حركة " 18 أكتوبر للحقوق والحريات" والذي يفسر التعاطف الواسع الذي تحظى به في أوساط النخب والتوجس الكبير الذي تواجهها به الحكومة، طريق محفوفة بالتضحيات والمخاطر ولكنها الطريق الوحيدة المفضية إلى الإصلاح في بلادنا كما كان الشأن دائما في بقية بلدان العالم.
(المصدر: صحيفة "الموقف" الأسبوعية، العدد 349 بتاريخ 3 مارس 2006)