مجزرة 8 ماي
مجزرة 8 ماي بالجامعة التونسية
القتل العمد سياسة ثابتة عند دولة التغيير في تونس
تمر علينا غدا ذكرى مجزرة 8 ماي1991 بالجامعة التونسية، و لم نبتغي أن تمرّ هذه المأساة دون أن نتوقف عندها، تأكيدا لطبيعة هذا النظام الشرسة – الذي لم يمارس القتل العمد و البطيئ الا في السجون التونسية فقط و إنما في رحاب الجامعة منارة العلم و المعرفة -، و حفظا للذاكرة الوطنية، و تذكيرا لمرتكبي جرائم القتل و التعذيب من عتاة وزارة الداخلية التونسية بأن الذين اغتالوهم من الطلبة وغيرهم لا تزال قضاياهم حية تصفعهم صباحا مساء.
انطلقت الحملة على الطلبة بإتخاذ عبدالله القلال (الذي لم يمض على تعيينه وزيرا للداخلية إلا فترة قصيرة) بتنسيق مع وزير التربية و التعليم آنذاك يوم 29/03/1991 لقرار بتعليق نشاط المنظمة الطلابية "الاتحاد العام التونسي للطلبة" بدعوى أنّها حادت عن الأهداف المرسومة لها و خرقت بنشاطها أحكام قانون الجمعيّات.
و إثر صدور القرار المذكور تعمّدت السلطة تصعيد الأوضاع في الجامعة بإقدامها على محاصرة أنشطة الإتحاد و تتبّع قياداته و كوادره و تكثيف وجود البوليس بالحرم الجامعي و التضييق على التحرّكات و الأنشطة الطلابيّة و منع الإجتماعات العامّة و قد استغلّت السلطة تنظيم الطلبة لتجمّعات عامّة في المركّب الجامعي يوم 8/05/1991 احتجاجا على قرار تعليق نشاط الإتحاد و على حصار الكليّات لتدفع بالمئات من الأعوان المدجّجين بالأسلحة و الآليّات و الكلاب المدرّبة لمهاجمة الكليّات و إطلاق الرصاص على الطلبة و في أماكن قاتلة في سابقة لم تعرف لها الجامعة التونسيّة مثيلا و قد تسبّب الهجوم المذكور في استشهاد طالبين أصيبا بالرصاص على مستوى الرأس و القلب و هما الشهيدان عدنان بن عبد الرزاق بن سعيد المولود في 19/05/1970 بفطناسة من ولاية قبلي و الذي كان تاريخ الواقعة يزاول تعليمه العالي بالسنة الأولى بكليّة العلوم بتونس و أحمد العمري من مواليد 23/01/1966 بقلعة سنان من ولاية الكاف و الذي كان يزاول تعليمه بالسنة الرابعة بالمدرسة القوميّة للمهندسين كما تسبّب الهجوم المذكور في إصابة العشرات بالرصاص إصابات متعدّدة و في أماكن قاتلة مما استوجب نقلهم لأقرب المستشفيات مثلما هو الحال بالنسبة للطالب بوبكر القلالي (من مواليد 1968) و مراد البدوي (من مواليد 1970) و سالم المهيري ( من مواليد 1968) الذين احتفظ بهم في قسمي الإنعاش بمستشفى شارل نيكول و المعهد القومي لجراحة الأعصاب لإصابتهم بالرصاص في الرأس و العين و قفص الصدر... و غيرهم كثر كما تسبّب الهجوم المذكور في إيقاف المئات من الطلبة و حرمانهم من حقّهم في الدراسة و إجراء الإمتحانات علما و أنّ السلطة التونسيّة حاولت لتبرير الهجوم المذكور بادّعاء أنّه كان ردّا على هجوم مسلّح استهدف مراكز الأمن الجامعي.
و يروي الشهيد الحي بوبكر القلالي المجزرة كما عاشها في كلية العلوم بتونس: " بقدر ما كان القمع قويا، كان رفضنا للقرار أقوى. انبرينا نقاوم عبر نضال مدني مشروع، كان سلاحنا صدورنا العارية المفعمة بإيماننا بحقنا في التنظم و العمل القانوني و كانت الحجارة في أيدينا أقوى من عصيهم و دروعهم وحتى رصاصهم. يوم 8 ماي 1991 عززت قوات القمع وجودها في الجامعة بشكل فاضح و استفزازي، تنادى طلبة الاتجاه الإسلامي في الجامعة إلى اجتماع عام في ساحة الكلية لتدارس الوضع. لم تنتظر حشود البوليس المتمركزة في بهو الجامعة طويلا و أمطرت الطلبة بوابل من الرصاص الحي. لم يتفرق الطلبة هاربين ولكن تفرقوا متصدين لهذه الهجمة بالهتاف و الحجارة، أصابني شرطي برصاصة غادرة في جبيني التي اخترقت عيني اليسرى و مرت تحت أنفي لتستقر في خدي الأيمن. بعد أن سقطت أرضا سارعت مجموعة من البوليس إليّ و جروني على الأرض أكثر من عشرين مترا وانهالوا عليّ بالضرب و الركل رغم وجودي بين الموت و الحياة و جرحي الذي كان ينزف بقوّة. مما زاد في آلامي سماعي للبوليس الذي أصابني يفتخر أمام زملائه " انظروا كيف أسقطته كالعصفور". كان في الجهة الأخرى مجموعة من الطلبة تتقدم نحوي لإنقاذي غير عابئة برصاص البوليس، كان في مقدمتهم الأخ الشهيد البطل عدنان عبد الرزاق سعيدالذي فاجأته مجموعة من البوليس و ألقوا عليه القبض ثم انهالوا عليه بالضرب و الركل و الرفس. لكن عدنان لم يبقى مكتوف الأيدي بل دافع عن نفسه فضرب أحدهم و أسقطه أرضا. قام الشرطي المهزوم واقفا، وجه سلاحه إلى رأسه، و أطلق عليه النار بكل برودة دم، فأرداه شهيدا".
و الغريب أنّ محاضر الحجز المحرّرة من طرف أعوان الأمن كشفت حقيقة الموقف إذ انحصر ما ادّعى أعوان الضابطة العدليّة حجزه في عدد من قضبان الحديد و قطعة من الخشب و سطل قديم مملوء بالحجارة و عدد 3 بلوزة بيضاء و جمازتان و مريولان و جيب للنساء و فولارة و زنار فلسطيني و محفظات مدرسيّة و 3 قوارير بها بقايا مواد حارقة و فتيل زجاجة مولوتوف و لكلّ عاقل أن يقدّر خطورة ما يمكن أن يرتكبه الطلبة بمثل ذلك المحجوز ضدّ المئات من أعوان البوليس المدجّجين بالأسلحة و العتاد و الكلاب المدرّبة كما أنّه لكلّ عاقل أن يستنتج ما يجب إستنتاجه من نوعيّة المحجوز (محفظات بها أدوات مدرسيّة... زنار فلسطيني... جمازات... بلائز بيضاء يرتديها الطلبة عند دخول المخابر... جيب للنساء... فولارة غطاء للرأس...) كما أنّه لكلّ عاقل أن يقدّر خطورة مثل هذه الأدوات و الأسلحة لو استعملت فعلا ضدّ السيارات المصفّحة و فرق حفظ النظام (Bop) و التدخّل السريع (Big) و لكلّ عاقل أن يتساءل عن مصداقيّة ما روّجت له وسائل إعلام السلطة و رموزها و التي برّرت عمليّات القتل بالرّصاص الحيّ في ساحات الكليّات و مدارج العلم باتّهام الطلبة بشنّ هجوم مسلّح على مراكز الأمن الجامعي كما أنّه لكلّ عاقل أن يبحث في أيّ صنف من الأسلحة الفتّاكة يمكن إدراج محفظة الطالب و أدواته المدرسيّة و غطاء رأس الطالبة و الزنّار الفلسطيني...؟؟؟
الحقيقة هي أنّ لنظام بن علي تقاليده العريقة في التعامل مع المنظمات الطلابية المستقلة في الجامعة التونسية منذ إعتلائه كرسي الحكم في أواخر ثمانينات القرن الماضي،فحينما جاء الى الحكم كانت الجامعة التونسية خليط من المنظمات الطلابية المستقلة ابتداءا من الفصائل اليسارية ونهاية بتصنيفات الإسلاميين ومرورا بالإتجاهات القومية ويحصي الملاحظون في هذا الإطار في الجامعة آنذاك ما يربو عن سبعة عشرة فصيلا فكريا وسياسيا لم يبقى اليوم منها الاّ هيكل مأزوم يسمى الإتّحاد العام لطلبة تونس.
هذه هي باختصار حقيقة دولة التغيير في تونس، قتل عمد ، تعذيب ، ترهيب ، تشريد ، تجويع، و نشر ثقافة العري و الفساد بين الشباب التونس.
اعتمدنا في مقالنا هذا بشكل رئيسي على تقرير الجمعية التونسية لمساندة المساجين السياسيين لسنة 2004 و رسالة خطية وجهها لنا السيد بوبكر القلالي مشكورا.
المصدر: موقع لجنة ألمانيا لمساندة حركة 18 أكتوبر بتاريخ 7 ماي 2006