الحرية-الصريح
الأوضاع المهنية و المادية
الصريح:
تمثل مؤسسة "دار الصريح" التي تصدر جريدتي "الصريح" اليومية و"أخبار الشباب" الأسبوعية مثالا صارخا على تردي أوضاع الصحفيين المادية والمهنية. واستطاعت هذه المؤسسة خلال عشر سنوات من تأسيسها أن تختزل في سلوكها إزاء العاملين بها كلّ أشكال الاستهانة والاستخفاف بقوانين الشغل والاتفاقيات المشتركة لمؤسسات الصحافة المكتوبة وبكرامة الصحفيين من خلال حرمانهم من أبسط الحقوق المادية والمعنوية وإجبارهم على العمل في ظروف مهنية غير ملائمة وبإمكانات ووسائل عمل تكاد تكون منعدمة. كما أن الظروف المادية والمهنية للصحفيين تسير من سيء إلى أسوأ.
ولعل أبرز ما تتسم به مؤسسة "الصريح" هو نقص عدد صحفييها قياسا بما تستوجبه ومقارنة بغيرها من الصحف اليومية أو الأسبوعية، إذ يعتمد طاقم التحرير في "الصريح" و"أخبار الشباب" على ثلاثة عشر صحافيا فقط ( بعد استثناء رئيس التحرير ونائبيه) اغلبهم من المتعاونين و ثلاثة منهم فقط من حاملي الأستاذية في الصحافة وعلوم الأخبار، بينما يتراوح البقية بين مجازين في اختصاصات أخرى، وطلبة مازالوا في طور الدراسة، وأصحاب مستوى تعليمي لا يتجاوز الخامسة ثانوي.
وينعكس نقص هذا العدد بالضرورة على الصحفي إذ يكون مطالبا من قبل صاحب المؤسسة بزيادة إنتاجه وتكثيف مساهماته لتغطية النقص وهو ما من شأنه أن ينعكس بدوره على جودة المادة الصحفية المنتجة، ويستنفد طاقة الصحفي.
وعلى سبيل المثال يتولى صحفي واحد تأمين مادة كل صفحات الشؤون الدولية
( مقابل 4 إلى 7 صحافيين في جرائد أخرى ). وتلقى مسؤولية تأمين كل صفحات القسم الوطني على صحفيين اثنين فقط. كما تجد صحافية واحدة نفسها مطالبة بإنتاج كامل تحقيقات الجريدة. أما الصفحات الرياضية فلا يعمل بها سوى ثلاثة صحفيين إضافة إلى رئيس القسم.
ومع أن هؤلاء الصحفيين مطالبون بمداومة الحضور وبتقديم إنتاج غزير فإن غالبيتهم لا يمكن اعتبارهم بأي حال من الأحوال صحفيين قارين. إذ أنهم لا يخضعون لأي صيغة انتداب واضحة ولا يتمتعون بأي ضمانات مهنية من أي نوع ولا يتم التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. و من جملة 13 صحافيا لا تصرّح إدارة الجريدة سوى بأربعة منهم. مع وجوب التوضيح بأنها لا تسدد بانتظام المعاليم المستوجبة عليها لهذا الصندوق في شأن هؤلاء الأربعة بل تكتفي بخلاص ثلاثيات متباعدة وبنسبة ضعيفة للغاية لا تزيد أحيانا على ثلاثية واحدة من كل أربع ثلاثيات.
ويقول صحفيو الصريح انهم لم يحصلوا طوال مدة عملهم على شهادة خلاص قانونية ولم يتمتعوا ولو مرة واحدة بمنحة إنتاج ولا بمنحة الشهر الثالث عشر ولا بمنحة الصحافة ولا بمنحة تعويضية عن أيام العطل والأعياد التي يجبرون على العمل فيها أو عن إجازاتهم السنوية التي لا يتسنى لهم بقرار من المؤسسة أن يتمتعوا بكامل أيامها ولا بأي منحة خاصة من أي نوع، كما لم يتمتع أي منهم بالزيادة في الأجر التي أقرتها المفاوضات الاجتماعية في السنوات الأخيرة.
ويتم إجبار الصحفيين على الخضوع للأمر الواقع اعتمادا على حجة غير مقنعة تفيد بان المؤسسة ما انفكت تمر بصعوبات مالية. علما أن المؤسسة تمكنت من بناء مقر ضخم بضاحية رياض الأندلس، وشراء مطبعة عصرية ( مقرها بسيدي ثابت) وشراء أسطول ضخم من الشاحنات المخصصة للتوزيع كما جهزت قسمها الفني بأحدث ما في سوق النشر والطباعة من معدات عصرية. وهي مكاسب لم تتجاوز مدة تحقيقها عشر سنوات مما يدل على قيمة الأرباح الهائلة التي تجنيها المؤسسة من مبيعاتها ومن عائدات الإشهار العمومي.
ولا يستفيد صحفيو المؤسسة من المرابيح التي تجنيها بل عادة ما يحصل العكس فبعض الصحفيين لا تتجاوز أجورهم مائتي دينار (200د) وبلغت الأمور إلى حد أنهم لا يتسلمون أجورهم الزهيدة في مواعيدها الشهرية بل أحيانا بتأخير عشرة أيام مما يضعهم أمام متاعب وصعوبات نادرا ما تأبه لها الإدارة.
إدارة عائلية
يشتكي صحفيو الصريح من غياب مفهوم الإدارة فالتسيير يتم من قبل الأب المدير / المؤسس وأبنائه دون الاعتماد على هيكل إداري واضح المعالم. فبإستثناء مديرها المالي والتجاري ( وهو نجل صاحب المؤسسة) لا يعثر صحفيو الصريح على أي موظف أو عون يمكن التعامل معه في المسائل المتعلقة باستخراج الوثائق المهنية مثلا. ومن نتائج ذلك أن حصول الصحفي على شهادة عمل صار يشكل مهمة شاقة للغاية ومستحيلة أحيانا.
وكنتيجة لتهرب المؤسسة من كل واجباتها المادية إزاء الصحفيين وتمسكها المبدئي بانتهاك قوانين الشغل واستسهالها مخالفة النصوص المنظمة للعلاقة بين الصحفي والمؤسسة فإن الزملاء العاملين بها محرومون من كل فرص الارتقاء والتدرج في سلم المهنة، ومن أي إمكانية للتمتع بأي من صيغ القروض البنكية فضلا عن حرمانهم الدائم من الأجر الكامل الذي يتطابق مع مجهوداتهم.
ويعمل صحفيو الصريح في ظروف قاسية ومهينة أحيانا ويجبرون على إنتاج ما يتجاوز طاقة الفرد بإمكانات محدودة تغيب معها متطلبات العمل الصحفي العصري. وهم يلخصون معاناتهم على النحو التالي:
· بُعد مقر الجريدة عن مواقع الأحداث على نحو يكلّف الصحفيين أموالا باهظة للتنقل ترفض المؤسسة تعويضها.
· عدم توفر خطّ هاتفي قار للصحفيين لإجراء الاتصالات اللازمة التي يتطلبها عملهم، بما يضطرهم لاستعمال هواتفهم النقالة وتحمل كلفة إضافية.
· لا تتوفر بالمؤسسة حواسيب مرتبطة بشبكة الإنترنت باستثناء جهاز واحد يحتكره النائب الثاني لرئيس التحرير ( وهو النجل الثاني لصاحب المؤسسة) في مكتبه ولا يجوز لأي من الصحفيين استعماله لأي غرض كان.
· لا توفر"الصريح" الصحف والمجلات لصحفييها باعتبارها إحدى وسائل العمل مما يضطرهم إلى اقتناء مختلف العناوين الصحفية على حسابهم الخاص. وفي الوقت الذي لا توفر فيه المؤسسة أي نسخة من إصدارات الصحافة الوطنية والعربية والدولية للصحفيين فإنها تطالبهم بالإطلاع على ما يصدر في هذه الإصدارات والاستفادة منها.
غياب دور الصحفي
يعد غياب اجتماعات التحرير الحلقة الأضعف في مؤسسة "الصريح" إذ لم يحدث أبدا طوال عشر سنوات من عمر المؤسسة وأربع سنوات من عمر صحيفتها اليومية أن نظم مدير المؤسسة ورئيس تحريرها اجتماع تحرير واحد.
و يعكس هذا الاختيار نظرة عديمة التقدير لدور الصحافي داخل مؤسسته ولإسهامه المفترض في تحديد الخط التحريري للصحيفة فضلا عن دوره في التقويم والتصدي من الداخل لكل إخلال محتمل بضوابط المهنة الصحفية وأخلاقياتها.
و يشتكي الصحفيون بجريدة "الصريح" من تعدد المقالات والمواضيع التي يقتطعها مدير الجريدة من الصحف والمجلات العربية والعالمية وينتحلها للصحيفة بنشرها ضمن صفحاتها دون أي إشارة إلى المصدر. بل ويحدث في مرات متعددة أن يتمّ تصدير هذه المقالات المنتحلة بعبارات من قبيل: خاص- الصريح أو مكتب الصريح بالقاهرة، بما يمثل انتهاكا فاضحا لقواعد الأمانة الصحفية وإخلالا خطرا بأخلاقيات المهنة. ( انظر باب السرقات الصحفية في موقع آخر من هذا التقرير)
وفي ظل هذه الظروف المتردية يضطر عدد من الصحفيين إلى مغادرة المؤسسة بسبب امتناع صاحبها عن تمكينهم من مستحقاتهم المالية أو تأخرها. ويواجه الصحفيون الذين لجأوا إلى القضاء للمطالبة بمستحقاتهم صعوبات جمة في تنفيذ أحكام التعويض الصادرة لفائدتهم بسبب امتناع صاحب المؤسسة عن الامتثال لأحكام القضاء، و يقول الصحفيون الذين مروا بهذه التجربة إن الدوائر المختصّة بولاية أريانة لا تبدي حرصا على تنفيذ هذه الأحكام .
2 / 2 جريدة الحرية
سبق لنقابة الصحفيين التونسيين أن نبهت في التقرير الذي أصدرته العام الماضي إلى الوضع الخانق الذي تعيشه جريدة الحرية، و كان ذلك بالاعتماد على وثيقة موجهة إلى السلطة العليا تبين حجم المعاناة التي يعيشها الصحفيون في هذه المؤسسة .
الوثيقة التي وردت تحت عنوان "الصحفيون يستغيثون" طرحت عدة "مطالب مستعجلة" منها صرف المرتبات في موعدها وتمكين الموظفين من أدنى حقوقهم مثل منح الإنتاج والترقيات، ورغم طول المدة لم تستجب الإدارة إلى نداء الاستغاثة مما عمق القطيعة بين إدارة التحرير والصحفيين.
ويمكن تلخيص الصعوبات التي يعاني منها صحفيو "دار العمل" في النقاط التالية:
- التأخير المستمر في منح رواتب الصحفيين ويمكن أن يمتد التأخير أسبوعا كاملا.
- عدم تسوية وضعية التامين على المرض وخلف هذا التقصير مشاكل كبيرة لعائلات في اشد الحاجة إلى التغطية الاجتماعية.
- غياب مجالس التحرير فمنذ أفريل 2003 لم ينعقد أي اجتماع لأسرة التحرير مما أثر على روح المبادرة لدى الصحفيين وخلق جوّا من الإحباط والامتعاض.
· تهميشها العديد من الصحفيين من ذوي الاقدمية و الخبرة مقابل الاعتماد على مساهمات من خارج المؤسسة. وإذا كان الاعتماد على طاقات من خارج المؤسسة يهدف لإثراء المحتوى فإن تحويله إلى قاعدة على حساب الصحفيين القارين يعد شكلا من أشكال الإهانة لهم، إضافة إلى أن الاستعانة بمساهمين من خارج المؤسسة يجب أن يكون خاضعا لضوابط واضحة منها عدم توفر من يقوم بعمل تحتاجه المؤسسة من داخل أسرة التحرير.
و يتساءل صحفيو جريدة الحرية: إذا كانت إدارة المؤسسة ترفض تسوية الوضعيات المجمدة وصرف المنح المتخلدة بدعوى الصعوبات المادية فلماذا يتم انتداب مساهمين من خارج أسرة التحرير؟ ألم يكن من الأجدر الاعتماد على أبناء الدار ؟
· المنع و المراقبة: من المفارقات العجيبة في صحيفة الحرية وجود لافتة تحرم على الصحفيين استعمال الانترنت وهو ما يتناقض كليا مع الخطاب الذي يتردد باستمرار حول تمكين الصحفيين من وسائل الإعلام العصرية.
وهذه اللافتة ليست وحدها التي تفرض المراقبة بل يشتكي الصحفيون من وجود عون في بهو المؤسسة يسجل تحركات الصحفيين.
· سلخ المقالات بما يغيب أي نفوذ للصحفيين عليها، فهي تخضع للإضافة والحذف بما يشوهها عن النسخة الأصلية. وحسب صحفيين بالصحيفة فان الرقابة يمكن أن تطال تهاني أعياد الميلاد والتعازي.
· تجميد الترقيات في حق العديد من الصحفيين بما يتناقض مع الاتفاقية المشتركة و في المقابل تعطى صلاحيات واسعة لمدير الصحيفة الذي يقرر من يتمتع بهذا الحقّ بعيدا عن المعايير المهنية و القانونية. ومن التجاوزات المهنية تمتع ابن مدير الصحيفة وهو تلميذ بامتيازات داخل الجريدة ومنها إعداده لصفحة أسبوعية بالألوان. ويمكن الرجوع إلى عدد 6 ماي 2006 لمعاينة هذا التجاوز.
ويلخص صحفيو "الحرية" الناطقة بلسان "التجمع الدستوري الديمقراطي" الوضع في صحيفتهم بأنه يتسم بالخوف من المطالبة بالحقوق الأساسية لان الإدارة لا تتسامح أبدا مع كل من يعبر عن رأيه بكل حرية أو يحاول المطالبة بحقوقه.
نقابة الصحفيين التونسيين
تقرير ماي 2006
الصحافة التونسية
انتهاكات مهنية وتجاوزات قانونية
Publicité