افتتاحية إخفاق ... ناجح جدا
أن يتحول الفشل الذريع إلى نجاح باهر تشيد به وسائل الإعلام وتُرسل البرقيات للتهنئة فهذه صناعة "تجمعية" لا تقدر عليها إلا الأحزاب والأجهزة التي حذقت فنون التعتيم والتضليل حتى صارت تصدَر خبرتها فيها للآخرين. فما من شك أن التداعيات السياسية والإعلامية لقمة مجتمع المعلومات أساءت لسمعة الحكم كما لم تفعل أي حملات سابقة، ولا ريب أيضا في أن العلاقات الديبلوماسية مع شركاء تونس الرئيسيين (وغير الرئيسيين أيضا) تدهورت بشكل غير مسبوق حتى وصلت الأمور إلى تبادل مذكرات الإحتجاج مع بلدان كانت تربطها بتونس صداقات عريقة وحميمة. يدل كل ذلك على فشل ديبلوماسي لا يعادله سوى الإخفاق الإعلامي في إعطاء صورة إيجابية عن البلاد، وأنَى للصورة أن تكون مشرقة طالما أن الأصل غير قابل للتسويق في عالم اليوم. فهل سيُقنع القوم العالم بأن منع رابطة حقوق الإنسان أو نقابة الصحفيين من عقد مؤتمريهما بالقوة هو إنجاز ديمقراطي؟ أم لعلهم سيقنعوه بأن الهجوم على جمعية القضاة لإزاحة هيئتها الشرعية هو تعزيز لاستقلال القضاء، وأن محاصرة الأصوات الحرة القليلة وخنقها ماليا واتصاليا هو من باب توسيع دائرة الحريات الإعلامية؟ الجواب الوحيد للسلطة على هذه الأسئلة المحرجة هو تعداد الأجهزة البيروقراطية التي ما انفكت تُوسعها أو تُحدثها متوهمة أن الإكثار من الطيور التي تلهج بصوت واحد يمكن أن يشكل سنفونية تعددية. وطبعا هذه بضاعة فاسدة لا تسوق في الخارج وبخاصة لدى الإعلام الفطن الذي لاتفوته شاردة ولا واردة بعد ثورة المعلومات. ومن هذه الزاوية كان على القوم أن يدركوا منذ البدء ما هم عليه مقبلون باستضافة قمة عالمية للمعلومات وأن يتحملوا الثمن المستحق لاحتضان مثل ذلك الحدث ذي الطابع الإعلامي بامتياز. غير أن ما حدث كان العكس إذ أدارت السلطة العلاقات مع الأطراف السياسية والإعلامية التي جاءت إلى تونس مثلما تُدار شؤون التونسيين الداخلية، وبالتالي كانت المصادمة، لا بل المصادمات محتومة، وها هي استتباعاتها تطفو على السطح مع الإتحاد الأوروبي وسويسرا وألمانيا وأمريكا وحتى مع "الصديقة" فرنسا. والأرجح أن السلطة ستستمر في التعامل مع هذه النتائج بمثل العقلية التي تعاملت بها في المقدمات، أي الإصرار على رفض الإصلاحات التي تطالب بها المعارضة والمجتمع المدني بأسره، والعناد في مواجهة الصورة الإعلامية القاتمة بمزيد من البرقيات المُهنئة بالنجاح والإفتتاحيات المهللة التي تغمر الصحف بكافة أنواع البخور كل صباح. إنها صناعة فريدة لا يعلم سرَها سوى الراسخون في قلب الإخفاقات إلى نجاحات، ولذلك فلا أمل بأن يرتفع صوت بين القوم ليقول إننا سلكنا الطريق الخطأ وعلينا التدارك قبل فوات الأوان. الاربعاء 21 ديسمبر - كانون الأول 2005 tunisie source http://pdpinfo.org/articlear.php3?id_article=2497